الشريف الرضي
257
حقائق التأويل في متشابه التنزيل
العادة بأنه يفعل الموت عند فقدها ونقضها ، ولذلك جاز تمنيهم أن يميتهم الله تعالى في الجهاد ، وذلك حسن ، وإنما كان قبيحا لو تمنوا أن يقتلهم الكفار ، لان ذلك في حكم تمني الكفر ، فقبح من هذا الوجه ، ولا يجوز للمؤمن أن يتمنى الكفر أو يريده أو يرضى به ، كما أن رجلا لو تمنى ما فعله المشركون بالنبي صلى الله عليه وآله : من إدماء صفحته وكسر رباعيته ، لكان مقدما على عظيم . وإنما تمنوا الموت الذي هو من فعل الله تعالى ، لكي يموتوا في الجهاد ، فيكونوا إلى رضوان الله أقرب وبثوابه أسعد ، وهذا تحريض للمؤمنين على الجهاد ، وايسار لهم على الأعادي . وكان سبب نزول هذه الآية أن قوما من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله - ممن لم يشهد بدرا - كانوا يتمنون يوما مثل يوم بدر يستدركون فيه ما فاتهم ، من شرف المسعاة ، وفضل الشهادة المبتغاة ، فلما استنهضوا للجهاد في يوم أحد نكص بعضهم وفر بعضهم ، فعاتبهم الله سبحانه على ذلك ، وأثنى على الصابرين منهم والقائمين بجهاد عدوهم . وقال بعضهم : إنما تمنى القوم مقدمات القتل ، لا نفس القتل ، لان القتل لا يجوز تمنيهم له على ما تقدم القول فيه ، وكأنهم أنما تمنوا الأحوال التي تبلغ في عظم المشقة والخطر وشدة الخوف والوجل ، إلى حال القتل ومعاينته ، دون وقوع كنهه وحقيقته . وفي ما ذكرناه من الكلام على السؤالات الثلاثة مقنع بتوفيق الله تعالى .